فخر الدين الرازي

58

تفسير الرازي

الحوائج إلا هو فاتخذه وكيلاً ، وفوض جميع أمورك إليه فقد ارتقيت عن درجة من يؤمر بالكسب الحلال وكنت من قبل تتجر في الحلال ومعنى قوله : * ( فاتخذه وكيلاً ) * أي في جميع أمورك وقوله تعالى : * ( لا تغن عني ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون كالوصف كأنه قال : أأتخذ آلهة غير مغنية عند إرادة الرحمن بي ضراً وثانيهما : أن يكون كلاماً مستأنفاً كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة . ثم قال تعالى : * ( إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال : * ( إن يردن الرحمن بضر ) * ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضراً ، وكذلك قال تعالى : * ( إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ) * ( الزمر : 38 ) ولم يقل إن أراد الله بي ضراً ، نقول الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به ، ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف فإذا قال القائل مثلاً ؟ كيف حال فلان : يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك ؟ يقول : اختصها بزيد فيجعل المسؤول مفعولاً بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء ، وليس الضر بمقصود بيانه ، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناءً على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل * ( الذي فطرني ) * ( يس : 22 ) حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعاً وكذا القول في قوله تعالى : * ( إن أرادني الله بضر ) * ( الزمر : 38 ) المقصود بيان أن يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى : * ( أليس الله بكاف عبده ) * ( الزمر : 36 ) يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى : * ( قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً ) * ( الأحزاب : 17 ) حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف ، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلاً له ، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصوداً بالذكر لزجرهم ، فإن قيل فقد ذكر الله الرحمة أيضاً حيث قال : * ( أو أراد بكم رحمة ) * ( الأحزاب : 17 ) نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( من بعده ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً ) * ( الأحزاب : 17 ) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر ، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى : * ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً ) * ( الفتح : 11 ) فإن الكلام أيضاً مع الكفار وذكر النفع وقع تبعاً لحصر الأمر بالتقسيم ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( بل كان الله بما تعملون خبيراً ) * ( الفتح : 11 ) فإنه للتخويف ، وهذا كقوله تعالى : * ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) * ( سبأ : 24 ) ، والمقصود إني على هدى وأنتم في ضلال ، ولو قال هكذا لمنع فقال بالتقسيم كذلك ههنا